ملا محمد مهدي النراقي
307
جامع السعادات
وبعضها الكف عن الشهوات واللذات ، كالصوم ، وبعضها التجرد لذكر الله وتوجيه القلب إليه ، وارتكاب تحريك الأعضاء وتعبها ، كالصلاة ، والحج من بينها مشتمل على جميع هذه الأمور مع الزيادة ، إذ فيه هجران أوطان ، وإتعاب أبدان ، وإنفاق أموال ، وانقطاع آمال ، وتحمل مشاق . وتجديد ميثاق ، وحضور مشاعر ، وشهود شعائر ، ويتحقق في أعماله التجرد لذكر الله ، والإقبال عليه بضروب الطاعات والعبادات ، مع كون أعماله أمورا لا تأنس بها النفوس ، ولا تهتدي إلى معانيها العقول ، كرمي الجمار بالأحجار ، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار ، إذ بمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية ، فإن سائر العبادات أعمال وأفعال يظهر وجهها للعقل ، فللنفس إليها ميل ، وللطبع بها أنس . وأما بعض أعمال الحج ، كرمي الجمار وترددات السعي ، فلاحظ للنفس ولا أنس للطبع فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها ، فلا يكون الإقدام عليها إلا لمجرد الأمر وقصد الامتثال له من حيث أنه أمر واجب الاتباع ، ففيها عزل العقل عن تصرفه ، وصرف النفس والطبع عن محل أنسه ، فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما ، فيكون ذلك الميل معينا للامتثال ، فلا يظهر به كمال الرق والانقياد ولذلك قال النبي ( ص ) في الحج على الخصوص : ( لبيك بحجة حقا وتعبدا ورقا ! ) ، ولم يقل ذلك في غيره من العبادات . فمثل هذه العبادات - أي ما لم يهتد العقل إلى معناه ووجه - أبلغ أنواع العبادات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضي الطبع والبغي إلى الاسترقاق ، فتتعجب بعض الناس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الجهل بأسرار التعبدات ، وهذا هو السر في وضع الحج ، مع دلالة كل عمل من أعماله على بعض أحوال الآخرة ، أو في بعض أسرار أخر - كما يأتي - ما فيه من اجتماع أهل العالم في موضع تكرر فيه نزول الوحي ، وهبوط جبرئيل وغيره من الملائكة المقربين على رسوله المكرم ، ومن قبله على خليله المعظم - عليهما أفضل الصلاة - بل لا يزال مرجعا ومنزلا لجميع الأنبياء ، من آدم إلى خاتم ، ومهبطا للوحي ، ومحلا لنزول طوائف الملائكة . وقد تولد فيه سيد الرسل ( ص ) وتوطأت أكثر